29 - 06 - 2026

لماذا تقع بعض النساء في حب الرجل الخطأ مراراً؟ | حين يتحول جفاء الأب إلى بوصلة خفية لاختيار الشريك

لماذا تقع بعض النساء في حب الرجل الخطأ مراراً؟ | حين يتحول جفاء الأب إلى بوصلة خفية لاختيار الشريك

قد تظن المرأة أنها تختار شريك حياتها بإرادتها الكاملة، لكن علم النفس يشير إلى أن بعض اختياراتنا العاطفية قد تكون مرتبطة بجروح قديمة لم تلتئم بعد... فالعلاقة الأولى التي تربط الفتاة بالأب لا تنتهي عند حدود الطفولة، بل قد تمتد آثارها إلى طريقة رؤيتها للحب، ولذاتها، وللرجل الذي تختاره شريكاً لحياتها.

فهل نختار من نحب حقاً، أم أننا أحياناً نعيد البحث عن شيء افتقدناه منذ سنوات؟

في بيت الأب تتشكل البذور الأولى لصورة الفتاة عن نفسها وعن العالم من حولها... هناك تتكون مشاعر الأمان والثقة والاستحقاق العاطفي، وهناك أيضاً قد تنشأ بعض الجروح النفسية التي تترك آثارها على اختياراتها المستقبلية... فالأب الحنون يمنح ابنته شعوراً بأنها جديرة بالحب والاحترام، بينما قد يترك الجفاء العاطفي فراغاً تحاول ملأه بطرق مختلفة خلال مراحل حياتها اللاحقة.

ولا يعني ذلك أن كل فتاة عانت من جفاء والدها ستواجه بالضرورة مشكلات في علاقاتها العاطفية، إلا أن الدراسات النفسية تشير إلى أن التجارب المبكرة داخل الأسرة قد تؤثر في أنماط التعلق واختيار الشريك.

الفخ الأول: الارتماء في أحضان أي كلمة طيبة

عندما تكبر الفتاة وهي تعاني من حرمان عاطفي، قد تصبح أكثر احتياجاً للشعور بالاهتمام والتقدير.. لذلك قد تنجذب بسرعة إلى أي شخص يمنحها كلمات حانية أو اهتماماً استثنائياً، معتقدة أنها وجدت الحب الذي كانت تبحث عنه.

في كثير من الأحيان لا يكون التعلق هنا بالشخص نفسه بقدر ما يكون متعلقاً بالشعور الذي يمنحه لها... فتتحول الحاجة إلى الحب إلى دافع قوي قد يدفعها إلى التسرع في الارتباط أو تجاهل بعض الإشارات التحذيرية، مما يجعلها أكثر عرضة للعلاقات غير الصحية أو للاستغلال العاطفي.

الفخ الثاني: إعادة تكرار التجربة القديمة

من أكثر الأنماط النفسية تعقيداً ميل بعض الأشخاص إلى الانجذاب لشركاء يشبهون أحد الوالدين في الصفات التي سببت لهم الألم سابقاً.

فتجد الفتاة نفسها تنجذب إلى الرجل البارد عاطفياً أو كثير الإهمال أو صعب الإرضاء، وكأن جزءاً خفياً من داخلها يحاول إعادة كتابة قصة قديمة لم تنتهِ كما كانت تتمنى. وربما يحمل اللاوعي أملاً بأن تنجح هذه المرة في الحصول على الحب والقبول اللذين افتقدتهما في طفولتها.

لكن النتيجة غالباً تكون مؤلمة؛ إذ تتكرر مشاعر الخذلان نفسها في صور مختلفة، وتدخل صاحبة التجربة في دائرة من العلاقات غير المتوازنة.

كيف نكسر هذه الحلقة؟

الوعي بالمشكلة هو الخطوة الأولى نحو التحرر منها، لكنه ليس الخطوة الوحيدة. فالتعافي الحقيقي يحتاج إلى عمل واعٍ ومستمر لإعادة بناء الصورة الذاتية والعلاقات الصحية.

1. الاعتراف بالجرح دون الاستسلام له

التعافي يبدأ من الاعتراف بالمشاعر المؤلمة وعدم إنكارها. فقول: "لقد تألمت من جفاء والدي" لا يعني إدانته بقدر ما يعني فهم أثر التجربة على النفس... كما أن نقص الحنان الذي تلقيناه لا يقلل من قيمتنا أو استحقاقنا للحب.

2. التخلي عن دور المُنقذة

من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن الحب قادر وحده على تغيير الأشخاص... فليس من مسؤولية المرأة إصلاح شريك غير مستعد للتغيير أو علاج جراحه النفسية نيابة عنه. العلاقات الصحية تقوم على المشاركة والنضج المتبادل، لا على التضحية المستمرة من طرف واحد.

3. بناء التقدير الذاتي

كلما ازدادت ثقة الإنسان بنفسه، قلَّت حاجته إلى البحث عن قيمته في أعين الآخرين.

ويمكن تعزيز التقدير الذاتي من خلال:

- تطوير المهارات والقدرات الشخصية.

- تحقيق أهداف مهنية أو علمية.

- ممارسة الهوايات والأنشطة التي تمنح شعوراً بالإنجاز.

- بناء شبكة من العلاقات الداعمة والصحية.

4. وضع معايير واضحة للاختيار

الحب لا يكفي وحده لبناء علاقة ناجحة... فهناك صفات أساسية ينبغي البحث عنها، مثل الاحترام، والصدق، والمسؤولية، والقدرة على التواصل الصحي... كما أن تجاهل علامات الإهمال أو التقليل من الشأن أو التلاعب العاطفي بدافع التعلق قد يؤدي إلى تكرار تجارب مؤلمة.

5. رسالة إلى كل أب وأم

الوقاية تبدأ من الأسرة... فالكلمة الطيبة، والاحتواء، والاستماع الجيد، وإشعار الأبناء بقيمتهم، ليست تفاصيل صغيرة، بل هي استثمار طويل الأمد في صحتهم النفسية وقدرتهم على بناء علاقات مستقرة في المستقبل.

إن الأب الذي يمنح ابنته الحب والاحترام لا يضمن لها حياة خالية من التحديات، لكنه يمنحها معياراً صحياً تتعرف من خلاله على العلاقة السوية، فلا تبحث عن قيمتها في عيون الآخرين، بل تدركها في نفسها أولاً.

وربما تكون الحقيقة الأكثر أهمية هي أن الإنسان لا يختار شريك حياته بعقله وحده، بل تختلط في اختياراته خبراته القديمة واحتياجاته النفسية وصور الحب التي تشكلت داخله منذ الطفولة... لذلك فإن فهم جذور انجذابنا لبعض الأشخاص لا يجعلنا أسرى للماضي، بل يمنحنا فرصة أكبر لاتخاذ قرارات أكثر وعياً ونضجاً... فكل جرح يُفهم جيداً يفقد جزءاً من سلطته علينا، وكل وعي جديد يفتح باباً لاختيار مختلف.

وأخيراً قد يترك الجفاء العاطفي ندوباً في النفس، لكنه لا يكتب مصير الإنسان... فالماضي يؤثر، لكنه لا يحكم المستقبل.. ومع الوعي والنضج والعمل على التعافي، تستطيع المرأة أن تكسر أنماط العلاقات المؤلمة، وأن تختار شريكاً يشاركها الاحترام والأمان، بدلاً من أن يعيد إليها أوجاع الأمس.

فالتصالح مع الذات لا يغير الماضي، لكنه يمنع الماضي من أن يواصل كتابة المستقبل... وعندما تدرك المرأة قيمتها الحقيقية، تصبح قادرة على اختيار من يحبها بصدق، لا من يعيد إليها جراح الأمس.
---------------------------------
بقلم: أسماء حامد

مقالات اخرى للكاتب

امتحانات لا تُعقد داخل اللجان